الغزالي

345

إحياء علوم الدين

ومن الجهل بهذه الدقيقة يثور الوسواس ، فان الموسوس يكلف نفسه أن يحضر في قلبه الظهرية والأدائية والفرضية في حالة واحدة مفصلة بألفاظها وهو يطالعها ، وذلك محال ، ولو كلف نفسه ذلك في القيام لأجل العالم لتعذر عليه ، فبهذه المعرفة يندفع الوسواس ، وهو أن يعلم أن امتثال أمر الله سبحانه في النية كامتثال أمر غيره ثم أزيد عليه على سبيل التسهيل والترخص وأقول : لو لم يفهم الموسوس النية إلا بإحضار هذه الأمور مفصلة ، ولم يمثل في نفسه الامتثال دفعة واحدة ، وأحضر جملة ذلك في أثناء التكبير من أوله إلى آخره بحيث لا يفرغ من التكبير إلا وقد حصلت النية ، كفاه ذلك ولا نكلفه أن يقرن الجميع بأوّل التكبير أو آخره ، فان ذلك تكليف شطط ، ولو كان مأمورا به لوقع للأوّلين سؤال عنه ، ولوسوس واحد من الصحابة في النية ، فعدم وقوع ذلك دليل على أن الأمر على التساهل ، فكيفما تيسرت النية للموسوس ينبغي أن يقنع به حتى يتعوّد ذلك وتفارقه الوسوسة ، ولا يطالب نفسه بتحقيق ذلك ، فان التحقيق يزيد في الوسوسة . وقد ذكرنا في الفتاوى وجوها من التحقيق في تحقيق العلوم والقصود المتعلقة بالنية تفتقر العلماء إلى معرفتها . أما العامة فربما ضرها سماعها ويهيج عليها الوسواس ، فلذلك تركناها مسألة : ينبغي أن لا يتقدّم المأموم على الامام في الركوع والسجود والرفع منهما ولا في سائر الأعمال ، ولا ينبغي أن يساويه بل يتبعه ويقفو أثره ، فهذا معنى الاقتداء ، فإن ساواه عمدا لم تبطل صلاته كما لو وقف بجنبه غير متأخر عنه ، فان تقدم عليه ففي بطلان صلاته خلاف ، ولا يبعد أن يقضى بالبطلان تشبيها بما لو تقدم في الموقف على الإمام ، بل هذا أولى ، لأن الجماعة اقتداء في الفعل لا في الموقف ، فالتبعية في الفعل أهمّ ، وإنما شرط ترك التقدم في الموقف تسهيلا للمتابعة في الفعل ، وتحصيلا لصورة التبعية ، إذ اللائق بالمقتدى به أن يتقدم ، فالتقدم عليه في الفعل لا وجه له إلا أن يكون سهوا ، ولذلك شدد رسول الله